بحث هذه المدونة الإلكترونية

السبت، 5 مايو 2018

رسائل مختلفة...

رسائل مختلفة...

عجبت للرسائل كيف تحمل بين طياتها حياة متكاملة، بإخفاقاتهاو إنجازاتها ، فكل حرف يمثّل حدثاً ،
وكل جملة تحمل فكرة .
وعندما يخلق أحدنا رسالته تكن هي جزءًا منه ، ولاينهيها حتى يكون هو جزءًا منها.
وأجمل الرسائل هي تلك الرسالة التي لم يعد صاحبها يقوى على الصمت عنها أكثر ، فهاهو حبيب يقف على رأس جبل عالي وبين الوديان حبيب له  يقطن ، وكل منهما يرمي ببصره بعيدًا يبحث  عن ضالته ، فتصعد رسالة وتهبط أخرى ،وتتلوّن حينها الحياة بالمشاعر ، وتتلاقى الأرواح وإن لم يكتب لأبدانهما الإلتقاء ،وتغدو الرسائل حينها أنفاس  تتصاعد في صدر  الحياة،وهذا صنف وماعداه أكثر.
وأجلّ الرسائل هي تلك التي تعيد تعريف الأشياء ؛ لتقدّمها للغير بمنظار جديد ورؤية جديدة، وأعمق الرسائل هي أوجزها ، وأعظم الرسائل ماصرّح بها صاحبها مشافهة ، فالقلوب أكثر احتواء من الورق .
ورسالتنا اليوم جمعت بين كل ذلك ،
فهي مختصرة مابين كلمتين ، ومابين قلبين ولكنها عنت أمة بأكملها.
إذ أطلقها رسول الأمة ، وقالها خالدة (فاطمة أم أبيها) ،لم تكن رسالة فقط؛
فرسالة العظيم منهاج ودستور ، ماكانت هذه المقولة رسالة ظرفية ولم تحد ببيئة أو زمان ، وماكان ماتحمله من حقيقة  خالية من الهدفية والمقصد ، وماكانت شعور ملتهب يتأجج حينًا ويخمد حينًا آخر.

بل كانت رسالة مختلفة.
إذ بدايتها كانت تحكي لنا قصة يتيم  عاش الوحدة كما لم يعشها أحد ، فهاهو لايتعلق فؤاده بأحدٍ حتى يفقده .
فواجه كل هذا الفقد بقلبٍ يبحث عن الحب وهو الممتلئ به ، وماروى هذا الظمأ إلا فاطمة.
فاطمة التي متى تعلّق بها حتى اكتشف أنّ أمه قد بعثت من جديد .
فأطلق عندها هذه الكلمة الخالدة
(أم أبيها)
أبيها الذي عاشت معه العشق حتى امتزج بكيانها كله ، حتى إن مشيتها متى أقبلت غدت لاتخطئ مشيته وأكثر من ذلك .
ففي كل يوم لها معه كان  يعطيها روحا من روحه ، وخلقًا من خلقه ، وعقلاً من عقله ؛ حتى حازت شرف هذه المقولة بكل استحقاق ، ولا شك في كل ذلك فهو الذي لاينطق عن الهوى .
وهذا  إن دلّ على شيء فقد دلّ على أداء السيدة لمسؤولياتها بكل جدارة .
حتى ارتقت من منصب (الابنة) الى منصب أعلى (الأمومة).
وماتخلّت عن منصبها السابق إذ عبّر  رسول الله عن نفسه  بلفظ أبيها.
هذا يعني أن السيدة قامت بدور مزدوج .
دورٌ ملأ  الرسول بعاطفة الأبوة ولمس معه ايضًا عاطفة الأمومة في نفس الوقت.
وهذا دليل جليٌ على الشعورالعالي بالمسؤولية الذي خالج روح السيدة مع الرسول ، ومع رسالته من بعده.

والشعور بالمسؤولية ماهو إلا التزام ينمو مع الأيام ، وتتّسع دوائره كلما اتسعت معارف الإنسان .
وهذا الشعور لايأتي من فراغ ؛ لأنه سلوك وموقف ، وكل سلوكٍ بحاجة الى إرادة صلبة تترجم به كل الأحاسيس المستترة إلى حراك فعال. والمؤمن له جولةٌ معتدّ بها  في ساحة المسؤليات ، فهو يرى أن الحر هو الذي ينبغي أن يكسب الحرية للعبيد ، والعاقل هو الذي ينبغي أن  يفكر للمجانين ، والسعيد هو الذي ينبغي أن يعمل من أجل التعساء.
فهو يرى كل أموره ضمن إطار المسؤوليات ، وفوق كل هذا فهو يتمثّل قول أمير المؤمنين (إذا فعلت كل شيء فكن كمن لا يفعل شيء)
والرسول بمقولته نصّب السيدة الزهراء  شمساً في سماءالمسؤوليات.
فالرسالة التي أطلقها لم تعبّر عنه فقط كماهو المعتاد ...بل حكت عمّن وصلته أكثر.

فالزهراء رغم كونها (أم أبيها) إلا أن ألمها الحقيقي بعد فراق أبيها لم يكن لموته وحسب .
فهي تدرك أن لكل إنسان نهاية ، وأنّ البداية ستكون لرسالته بعده ، وهذا
أكثر ما آلمها إذ أنّ رسالة أبيها ما إن رحل حتى دخلت في حشرجة الرحيل أيضا.
وماقطع فؤادها إذ غدت رسالته  بئرًا لايتّسع ريًا لأكثر من هاجر ورضيعها.

لذا أصبحت (أم أبيها )بعد وفاة الأب (أم لرسالته).
فهي ماكادت تفيق بعد لملمة مصاب الفقد المرير ، حتى تكشّفت أمامها خيوط المؤامرة .
فانتفضت كما لم ينتفض أحد ،
انتفضت بكل قوة لعل وعسى تتذكّر
الأمة مسؤولياتها ، تستفيق ولاتمتدّ بها القيلولة  إلى سبات عميق لا يغادرها.
نعم قاومت وقامت وتجاهلت مابها من مصاب ، فقط  لتبني للإنسان رسالة يمضي بها.
ومنهج يحيا به.
فالزهراء رسالة قارئيها
ووطن لساكنيها .
ولا عجب فهي أم أبيها.
ورسالتها كان بدؤها  مع يتيم عظيم
ونهايتها مع نصر عظيم.
فذلك وعد الله.

ليلى الصادق

نِثار الحب

*نِثار الحب*
زينب غلاب
في زمن الأنا.. ودسّ الضمير..
وحين نفث الشيطان في مسامع أحدهم لينطق بالإثم..
فاحت رائحة البغي التي تُزكم الأنوف..
وتزاوجت في تلك اللحظات محنٌ وآلام..شكّلت بمجموعها مُنعطفاً خطيراً في حياة الأمة الإسلامية،وبوابةً مشرّعةٌ نحو مستقبلٍ مجهول الهويّة..
فروح محمدٍ للتوّ فارقت دنيا الفانيات..
وحجبت طقوس المنكر وصيّه خلّف أستار الحقيقة..
وغدتْ رُسل القوم تترى..

وبعيداً عن سلاح القوّة الذي يزيد الهوّة ويعمّق الخطر..
سادت فاطمةَ الموقف آنذاك..
فخاطبت العقل من خلال قلبٍ عايش إنسانيّة الأمة كل الأمة.. 
معيدةً للأذهان منهاج محمد.. 

ولأنّ الغالب على قرائتنا لتلك الفترة من تاريخ الإسلام،الحديث عن الظلامة وأبعادها،سنعنونه بآخر يحمل طابعاً إيمانياً يُشاطر أهداف الأنبياء،
فإنّ من يحمل سِمة التبعيّة لرسالة النبي الخاتم لازالت ذاكرته تعصِّف بقوله تعالى{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}1 فكيف بمن تنفّست عبق الرسالة وعايشت كلّ همومها وآلامها ؛
لذا كانت وقفتها تلك مصداقاً جلياً لفلسفةٍ تشريعية أناطت اللثام عنها في خطبتها الفدكية حينما قالت ع"والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحةٌ للعامة"2 في سلسلة حديثها عن الفقه المقاصدي.

هُنا تجلى الدور الفاطمي وبرز بصورته الأكثر فاعلية، على أننا لانُنكر دور الزهراء ع في حياة أبيها ع فقد ساهمت مواقفها المتعددة في تدعيم واتساع المشروع السماوِّي،إلاّ أنّ ذلك الدور الذي مارسته بعد رحيل خاتم الأنبياء كان دوراً جوهرياً أساسياً باعتباره استكمالاً للدور النبوي وسنداً للإمامة من جهة ،  ومن جانبٍ آخر فهو توظيفٌ نهضوِّي لجميع الإمكانات المتاحة والفرص المشرّعة في سبيل قيام ولي الله بدوره المناط به،ليكوّنا معاً درعاً حصينةً في طريق الغاصبين ، ويرسما آفاقاً واضحةً لمن أبصّر الحقيقة،في خطٍ جهاديٍ واحد،وإنّ تشعّبت طرقه.

ولعلّه من المناسب بدايةً الحديث عن الهدف الكامن وراء مرامي الإسلام من بعض التشريعات في الخطبة،ولكي تتضح الصورة سنطرح أُنموذجان أحدهما يقف في الطرف النقيض للآخر..
الأول فارقته الروح وغابّ عنه الجوهر،فكان صورةً جرداء ذات طابعٍ أجوف..
أمّا الآخر فقد مازجه الشعور فولج الروح واتّسق مع الفعل،فكان باطنه وظاهره سواء..

إنّ الأول يمثّل عين الواقع الفعلي للأعم الأغلب من تطبيقاتنا نحن البشر لشريعة السماء..
أمّا الثاني فهو ذا عُمقٍ لايفهمه إلاّ من تشرّب الإيمان وولج ساحة قُدسه من حيث أمرّ الحق تعالى..

لذا كان أيّ عملٍِ يُعانق السطح مبتعداً عن العمق بلا ثمرةٍ تُرتجى،ومعرفتنا للسر الكامن وراء كلّ معنىً ماهو إلاّ المفتاح الذي يُعطي العمل حركةً وحيويةً ، وبُعداً روحياً نصل من خلاله إلى التطبيق الحقيقي لتلك المفردات كما أرادها الشرع..

إنّها قنطرةٌ من رحمة الربّ..
ذات ثلاث أفرع يُكمل بعضها الآخر.. 
ّصيّرها لعباده..
لنكون في يقظةٍ دائميّة..
تبتدئ مع الفرد في دائرته الضيّقةٍ..
وتنطلق للمجتمع..

الأول يمثل جهاز الرقابة الذاتي"الضمير"..
ولأنّ الإنسان يستطيع عبر تبريراته المتتالية وأْد تلك القوّة وإخراسها كليّة حتى لاتُعاود الإحساس بالذنب..
{أفمن زُيّن له سُوء عمله فرآه حسناً}3..

تزاوجت برقابة المولى عزّ وجلّ..
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}4
جسرٌ ممدود كفيلٌ بإيصال الإنسان نحو شُطآن الكمال..
شريطة أن نستشعرها..

لكنّ الغفلة تحوطنا..
لنسقط في مستنقعاتها الآثمة..

لذا وُسّعت الدائرة لتشمل المجتمع أكمل،عبر شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،أو كما تُسمى اليوم" النقد الذاتي المجتمعي"، فكانت جهاز رقابة من الكلّ،وإلى الكلّ..
وتكفينا موعظةَ روح الله عيسى ع لقومه لنُدرك عُمق الخطر المحدق بالمجتمع إن تقاعس عن وظيفته [إنّ الحريق ليقع في البيت الواحد فلا يزال ينتقل من بيتٍ إلى بيت حتى تحترق بيوتٌ كثيرة،إلاّ أن يستدرك الأول فيهم فيهدم قواعده،فلا تجد فيه النار معملاً،وكذلك الظالم الأول لو يؤخذ على يديه لم يوجد من بعده إمامٌ ظالم فيأتمون به،كما لو لم تجد النار في البيت الأول خشباً وألواحاً لم تحرق شيئا.. ]5

والآن ماالمانع من ضربِ مثالٍ حسي لتقريب الفكرة!!
مزرعةٌ بلا سياج تحوي قطيع خرافٍ وبعض الدجاج وكلب حراسة كلٌّ منهم هائمٌ على وجهه، لايهتدي لوجهته سبيلاً،يغير على الآخر وقتما يشاء دون رادع.
أرأيت حين يُقدم صاحب المزرعة على بناء سياجٍ لكل منها كيف يُسهم السياج برسم حدود تلك المعالم وتصييرها أكثر خصوصية،كما يحفظ مابداخله ويحميه ويحجبه عن أنظار الآخرين.

أترانا نُدرك أننا نبني سياجاً ذا قوةٍ لايُستهان به عبر كلّ أمرٍ بمعروف أو نهيٍ عن منكر!!
ما يضمن للمجتمع القيام بما فرضته شريعة السماء.. ويحفظه من كل دخيل غرضه إبعاد الفرد عن هوِّيته الإنسانية ، التي منها وبها تكتمل هوِّيته الإيمانيّة،كما يقيم أَوُده عند عطبه واعوجاجه، عن علي ع[قوام الشريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]6

ولكي نُجانب التنظير..
سنسبر أغوار تلك المفردة بقراءة موقف الزهراء ع في العمق..

هيّ..
تزمّلت بالحبّ..
وانطلقت تبثّه عَبقاً عبر هِتافاتها..
فهي مافتئت تطوف بُيوتات المدينة تارة وتخْطُب أُخرى ، إلاّ لأنها كانت تعيش الحبّ في أسمى صورة..
حبٌّ  مبدؤه الله.. 
ومنه ينبثق لما عداه..
متسعٌ ليكون أبعد من أن يحدّه مكانٌ أو يحويه زمان..
فكان على امتداد الإنسان كلّ الإنسان..
[وهل الإيمان إلاّ الحبّ]7

لذا فإن من تتملكه المشاعر والأحاسيس المفعمة بالطُهر وإنْ كانت تجاه أمةٍ متخاذلةٍ ظالمة..
لابُد أن يُدلي بكلتي يديه نحوها لينتشلها من التيه..
فكانت كلماتها كحبالٍ اجتمعت لتكون أقوى،ثم تدلّت فغدت بالقرب..
كانت قريبةً حدّ التماس من الأيدي..
لكنهم أفلتوها..
وتشبث بها عمار،المقداد،سلمان وأبو ذر،{وثلةٌ من الآخرين}8

ولأنها كانت تحيا الحبّ بواقعه لا كما يتزلَّف به المدَّعون.. غرست بذوره في الأمة ، وواصلت السُقيا بإثني عشر هادياً كلٌّ حسب دوره المناط به..
وكأني بها تَنْبِسُ بذات المنطق"ماخرجت إلاّ لطلب الإصلاح في أمة أبي،أُريد أن آمر بالمعروف وأنه عن المنكر".

لأنّ ما يعطي الحبّ قيمة،وبه تكون للإنسانية معنىً أن نُخرجه من بوتقة القوة إلى حيّز الفعل أي من العاطفة إلى السلوك، فإنّ مجرد الإحساس مهما كان نبيلاً لن يُثمر مالم نُصيره منهاج حياة..

إنّنا نُشاهد بالعيان كيف تتّسع الرؤية كلما ارتفع بنا المكان فكيف إذا حلّّق الواحد منّا في الفضاء.
هذا على حدود الباصرة المادية،فكيف إذا عديناه إلى ماهو أبقى وأنقى!
أتّتسع الهوّة أم تضيق ؟
ألن نبتعد عن حدود (الأنا)المتشرنقة داخل ذواتنا؟
ونسير الهويّنا في طريق واسع لاخصوصية فيه لأيّ أحد..
نحن والآخر فيه سواء..
نُبصر عبر منظار عميق" نحن البشر"..

ولأنّ الحقّ دون الصبر يذوي..
تجلّت سورة العصر في آيها{ إلاّ الذين آمنوا وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصبر}9
فكانت فاطمة..
إيجازٌ شهدته خمسةٌ وسبعون يوماً..
حكايةً بعمر الربيع..

وعندما نسقط ذلك على واقعنا،نرى أننا نمارس النقد بشكلٍ واسع،لكنه كشجرٍ لايُؤتي أُكلّه.. فلِّم!!
_لأننا نمارس النقد داخل غرفٍ مغلقة،فكانت أشبه برسائل ضلّت طريقها،وبدل أن تُعنون بالفضيلة ساوقت الرذيلة فكانت هيّ والغيبة سواء. 
_ثمّة هُوّةٍ واسعة بيننا وبين الآخر ،فالنرجسيّة هي من تحرّكنا..
تتجاذبنا المصالح ليس إلاّ..
_تلاشي وعيّ الأعم الأغلب بالظواهر السلبية التي تحوطنا،ومن لايعي الواقع لن يفكّر في التغيير..
_هل نمتلك نَفَساً للمواصلة! سؤال يفرض نفسه، ففي حال فكّر الواحد منّا في البدء بتغيير ماحوله من ظواهر سلبيّة،فإنه يتراجع في البدايات،وكأن التغيير مجرد ضغطة زر،تماماً كما نحيا اليوم عالماً متسارع الأحداث.
_حسّ المسؤولية معطوبٌ لدينا.
_هاجس الخوف من ردّة فعل الآخر يمثل شبحاًّ يمنعنا من مجرّد التفكير في التغيير.

ختاماً..
أن أصعد بالآخر ومن خلاله سلّم التكامل..
نطويها سويةً لنجتاز عثرات الزمن..
هيّ..
نظرةٌ مثلى..
وهدفٌ أسمى..
نسعى بوساطته لبناء مجتمعٍ ينشُد الكمال وينّشََد له.. 
عبر قلب البوصلة..
إذاً فلنكن في قلّب الحدث..
بفارقٍ وحيد أن تكون خطواتنا عكس التيار..

فهل نمتلك قلوباً تنبض بالحبّ!!

1/التوبه71
2/الخطبة الفدكية،الاحتجاج ج1
3/فاطر،8
4/النساء،1
5/بحار الأنوار،ج14
6/ميزان الحكمة،ج6
7/مستدرك الوسائل،ج12
8/الواقعه40
9/العصر 3

الحراك الثقافي للمرأة

الحراك الثقافي للمرأة
الواقع والتحديات
ام محمد زاده
لا يمكن الحديث عن دور المرأة الثقافي بمعزلٍ عن دروها الإنساني في حركة الحياة ، ومكانتها المركزية وموقعها الجوهري الذي تشغله في الساحة الإسلامية ، والفكر الإسلامي ، والشريعة الإسلامية ، للوقوف على الصورة المضيئة لشخصيتها ، وتشخيص دورها الفاعل والمؤثّر في ساحة الواقع ، وحركة التاريخ والزمن .

ومع هذه المساحة الضخمة التي تشغلها المرأة  في التشريعات الاسلامية ، والمجتمع الإسلامي ، بدأت  في الآونة الأخيرة تنسحب وتتراجع من ساحة العمل الثقافي والإجتماعي مع الأسف الشديد بذريعة الأولويات ، وقانون الأهم فالمهم ، في حلقةٍ لا تنتهي من الذرائع والأعذار والتبريرات ، وهذه  بأجمعها ساهمت بشكلٍ كبير في انسحاب أعدادٍ غير قليلة من المثقفين والمثقفات ، والعاملين والعاملات ، من ساحة النشاط والحراك الثقافي .

الكثير من الناس يضعون المرأة بين خيارين ، ويخنقونها بين زاويتين ، وهذه النظرة تنطلق من ركام القناعات الخاطئة ، فيقنّنون دورها، إما أن تقوم بدورها الطبيعي كأم والأوضاع الخاصة التي تفرضها الأمومة،  من الحمل والرضاعة والتربية ، وهذا هو دورها المركزي  والأساسي الذي خُلقت من أجله  ، ولا مجال لأي دورٍ آخر، وبين انخراطها في ممارسة الدور الثقافي أو الإجتماعي، فلا مناص من الإختيار بين هذين الدورين .

إنّ هذه النظرة وهذا التوجيه وهذا الخطاب ، أبعد المرأة عن ممارسة دورها الإنساني والإجتماعي ، وهذا بلا شك ترك أثاره السلبية على وعي المجتمع وثقافته وتطوره  ، فهذا التوجيه وهذه النظرة التي تدعو إلى تجهيل المرأة ، وإبقاءها في المربع الأول ، وفي هذه الزاوية الضيّقة ، سبّبت في زيادة حالات الإنسحاب والتملّص والتراجع عن خط الدعوة والتوجيه ، كما ساعد على عزلها عن ممارسة دورها في الحقل الثقافي ، وحجبها عن المشاركة في عملية البناء والتطور .

مسؤوليتنا بناء المرأة في شقّي الحياة ، الشخصي والإجتماعي ، حيث تتكامل صورة المرأة الواعية في تكامل أدوارها الحياتية ، فلا تعيش الذاتية المنغلقة ، أو الاجتماعية المنفلتة  ، بل تعيش كلا الدورين معاً ، فعلى المرأة المثقفة تأدية دورها في بيتها كزوجة وأم ومربية ؛ لتتكامل أدوارها الأسرية والتربوية ، وعليها في الجانب الآخر، تأدية دورها الثقافي والإجتماعي ، كجزءٍ من دورها الإنساني ، لتترك بصماتها الواضحة في حركتها الثقافية والإصلاحية ، كجزءٍ من مسؤولياتها الإسلامية الدعوية ، فلا يمكن للدور الإنساني والثقافي الذي تمارسه يلغي دورها في نطاق الأمومة ورعاية الأسرة ، فعليها إذن أن تتجاوز هذين الخيارين وغيرهما من الخيارات،  التي تفصلها عن ممارسة دورها بأمانة ، وتحد من انطلاقها ونشاطها وعطاءها . فالمسؤولية مشتركة بينها وبين الرجل ، في مواجهة الانحراف وحالات الفساد ، ولا بدّ  من العمل وبذل الجهد الفكري والحركي لبلوغ الأهداف الإسلامية العليا، فلعلّ كلّا من الرجل والمرأة  يمنح الحياة حركةً  وفكراً وحضارة .

الآية الكريمة تُحمّل المؤمنين والمؤمنات مسؤولية العمل الإجتماعي ، وتأدية الدور التوعوي الإصلاحي في الواقع العملي .
قال تعالى:
( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم  أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله ، إن الله عزيز حكيم ) -١
الآية ترسم الصورة المضيئة لتكامل الأدوار  الحقيقية المطلوبة لكل من الرجل والمرأة ، فحينما تتناغم وتتلاقى أهدافهما في أفاق الدعوة ، وخطّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حينها يتمّ تأصيل القيم النبيلة ، وترسيخ المفاهيم الإسلامية ، فالدعوة إذن مفتوحة للجميع، للنساء والرجال  لممارسة الحراك الثقافي ، وتجاوز حالات الجهل والتخلّف والأمية .

إذن المجتمع بحاجة إلى كلٍ من الرجل والمرأة ، انطلاقاً من حاجته إلى كل الطاقات والإمكانات . فإذا كان كلٌ منهما قادراً على إيصال صوت الحقيقة ، وصوت المعرفة ، يجب عليهما أن يقوما بذلك بلا تردد ، وأن يُبلّغا رسالتهما ، ويسخّرا كل الإمكانات ؛ ليبقى المجتمع متلوّناً بلون الإيمان ، ويتنفّس  أفراده روحية الإسلام وقيمه ، ويشمّون جمال عطره وطهارته .

هنا نشير إلى مسألةٍ في غاية الأهمية ، ليست مهمة المرأة التي تعمل خارج دائرة الأسرة أن تبتعد عن خط الله وخط الإلتزام ، ليتحوّل العمل والجهد الذي تبذله إلى وضع شاذ يتّسم بالتفسّخ الأخلاقي والإنفتاح غير المتزن ، والميوعة وحالات التبرج السافرة ، بل عليها أن تعمل خارج حدود بيتها برسم الصورة المشرقة للمرأة المثقفة في حكمتها وذكائها ، وفي قراءتها للواقع ونظرتها الناضجة والمتعقلة للأمور ، وكذا قدرتها على إدارة الأزمات ومواجهة التحديات بالإلتفات إلى عدة أمور:

١- الإلتزام الداخلي بخط العقيدة والإيمان :

على المرأة المثقفة الإلتزام بخط الإيمان والتقوى ؛ لتستطيع مواجهة التحديات  في ساحة الصراع الفكري والثقافي ، فالإيمان هو الذي يفتح باب الأمل في كل خطوة ، وكل تجربة ، فمهما غُلقت الأبواب ، تجدّدت العزيمة ، وولّد الإصرار ، وارتفعت المعنويات لمواجهة الواقع وخوض التجارب .

إنّ الإلتزام بخط الإيمان يُمكّن المرأة من تجاوز الضغوطات في أعلى مستوياتها ، والقرآن الكريم أشار إلى هذه الحقيقة في حديثه عن سيدتين عظيمتين ، امرأة فرعون ، ومريم ابنت عمران
قال تعالى :
( وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت ربّ ابن لي عندك بيتاً في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين ، ومريم بنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين ) -٢

إنّ نور الإيمان الذي أشرق في أعماق آسيا بنت مزاحم  جعلها فوق الظروف ، وفوق الضغوط ، وفوق الأزمات ، فهذا هرمون الإيمان بالله ، وهذه هي أثاره السحرية العجيبة ، لقد انقلبت هذه المرأة المؤمنة على كل شيء من حولها  ، انقلبت على الواقع المترف ، وعلى الحياة الرغيدة ، وعلى الجاه والنعيم والدلال ، لقد انقلبت على نفسها وعلى شهواتها وقصرها وكبريائها . وتحدّت كل الضغوط ، وكل المؤثرات ، وكل الأجواء ، ولقد وقفت في وجه العاصفة بمفردها ، وغرّدت خارج السرب وحيدة ، وخالفت رغباتها وشهواتها ونفسها . فالآية لم تذكرها باسمها بل بصفتها ( امرأة فرعون ) وهو ضغط كبير جداً جداً.
لقد انتقلت من محطة الكفر إلى محطة الإيمان ، وتسلّقت مراتبه ، ووصلت إلى قمّته وأعلى مستوياته ، وأصبحت أنشودةً يتغنّى بها المؤمنون الموحدون على مر الأزمان ، لتكون مثلاً ورايةً وآيةً وحجةً لكل المؤمنين إلى يوم القيامة .
ومريم بنت عمران التي عاشت الطّهر والعفاف ، ليست استثناء محض ، بل كانت الأجواء النقية التي عاشتها ، والبيئة الطاهرة الخاصة في المسجد لها الأثر الكبير في تشكيل شخصيتها وتلوّنها بلون خاص من الطهارة والروحانية ، وكذلك دور التربية السليمة التي حظيت بها عندما :
( وكفّلها زكريا ) -٣

فالله تعالى تحدّث عن اصطفائها على النساء من خلال إيمانها،  ومن خلال استقامتها وملامح شخصيتها وعفتها وعبادتها .

فالإيمان نقطة البداية ، وشرارة الإنطلاق ، فمع الإيمان بالله تعالى تتحرّك القوى والطاقات في تطلّعاتها ، وفي أفكارها ومشاريعها . فالإيمان يرافقه الوعي بالذات والواقع ، فالمرأة المؤمنة المثقفة تنطلق بعاطفتها العفوية الرسالية  لتعمل وتتحرك بشعورها العميق بالمسؤولية  ، فهي تدرك تماماً ، أن الثقافة للتحرّك لا للإسترخاء .

٢- الوعي المنفتح على القضايا الكبرى :

في المشروع الثقافي هناك نموذجين :
-نموذج الشخصية المسؤولة الفاعلة والمؤثرة .
-نموذج الشخصية المنهزمة والمتخاذلة .
فالمرأة المثقفة لا تتحرك بروحٍ انهزامية  ، ولا تمارس مسؤولياتها في كسلٍ سلبي ، بل تعمل وتتحرّك بخطوطٍ عريضة ، وتحت شعار الدعوة إلى الخير  ورسالة الإصلاح والبناء ، بحسٍ إيجابي فعّال
فهي تعرف إين تقف ، وأين تضع أقدامها ، وماذا تريد ، وماذا ستفعل . بمعنى أنّها تعي حقيقة المرحلة التي تعيشها ، وتستخدم كلّ كوامن القوة والعزيمة والإبداع ، في ممارسة دورها الثقافي . لأنها تملك الوعي العميق المنفتح على قضايا الإسلام الكبرى ، ولا تستنفذ وقتها وحياتها للقضايا الثانوية ، المرتبطة بلغة الجسد والجنس والمظاهر . فمشروعها كبيرٌ لا حدود له.

الصدّيقة الكبرى السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام عاشت الأجواء الرسالية،  وهي لا تزال حديثة السن ، فكان والدها رسول الله صلى الله عليه واله يحتضنها برعايته ، في أجواء الطهر والتقى ، وفي بيته المتواضع تربّت على حب الإسلام وانفتح عقلها على القضايا الكبرى للمشروع الرسالي ، وارتشفت من معينه ؛ لينفتح قلبها وعقلها وكيانها ووجودها على حبّ الدين ، وحبّ الاسلام ، لقد كانت تعيش بقلبها الصغير مع ابيها رسول الله صلى الله عليه واله في خط المواجهة ، وفي الصف الأمامي من المعركة والتحدّي ، فكانت معه لحظةً بلحظة ،  كانت معه مع تضحياته وعطاآته ، مع حبه ونبضات قلبه ، مع آلامه وآماله ، مع كل منابع الحب والعطف والرحمة التي تتسع لكل الكون ، ومن فيه .

فالوعي المنفتح على القضايا المصيرية الكبرى للإسلام هو مشروع المثقفين والمثقفات اليوم . عليهم ألأّ يضلّوا الطريق ، ولا يضيّعوا ملامحه وآثاره  ، كما عليهم عدم الإستسلام للراحة والكسل والوهن الفكري والثقافي لأن ذلك أكبر عثرةٍ في طريق الإبداع والتطور الحضاري .

٣- المنهج التربوي المتوازن :

يمكن للمرأة المثقفة بناء شخصيتها الحضارية بتقوية عنصر الإرادة الضابطة  ، والحس الواعي ، والعقل المنفتح ، وذلك بالتمرّد على عناصر الأنوثة ، فحالة الضعف والرّجعية ليست حالة ملازمة وملتصقة بالمرأة ، بل هي حالة عرضية تتجاوزها المرأة ، إن أرادت ذلك .
إنّ المنهج التربوي التقليدي أنتج المزيد من ضعف المرأة ، وحالة التجهيل التي تعيشها من إهمال وتهميش واحتقار لدورها ومكانتها .

فالتوازن بين القيمة الذاتية ، والقيمة الأخلاقية ، والتوازن بين حاجات الروح وحاجات الجسد هو المطلب الذي ننشده لحياةٍ وسطية تتنفّس في محيطها المرأة المثقفة لتمارس أدوارها الطبيعية .
إنّ التركيز على الحاجات والقضايا ، يجعل المرأة تجد حاجاتها التي تتكامل مع حاجات الأخرين ، وفق النظام الإسلامي الإجتماعي ، والذي ينظّم ويوازن حاجات كل فردٍ ضمن حدود وحاجات المجتمع ،
وفي ساحة العمل يثار موضوعي الإثارة والإغراء وهما موضوعان في غاية الحساسية والأهمية بمكان ، على المرأة المثقفة أن لا تتحرك بجسدها لإثارة الغرائز ، بل تتحرّك بعقلها وحكمتها لإثارة الإحترام والتقدير ، فالرجل لا يرى جسد المرأة ، بل يرى إنسانيتها في رصانتها واستقامتها ورجاحة عقلها ، وهذا ما يجب أن تنظره المرأة لنفسها ، فهي قادرة على أن تكون إنسانةٍ بكل معنى الكلمة  ، وأن يلامس عنصر الإنسانية روحها وعقلها ووجدانها ، لتكون مسؤولةً عن الواقع الذي تعيشه ، والأرض التي تقف عليها .

المصادر :
١- التوبة / ٧١
٢- التحريم / ١١/١٢
٣- آل عمران / ٣٧