بحث هذه المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 25 ديسمبر 2019

مشيئة خُلْدت

مشيئة خُلْدت.
بقلم: فاطمه العيسى.

من ثنايا الروح شعّْ نور الإطمئنان رضاً وتسليماً..
راوياً حكاية شموخ نفس أبيَّة في عزّها الأبهج.. 
مستنكرة غصب حقّها المسلوب..
وبيعة قسر لنفسٍ ولَغت غيّاً وعدواناً
(خذ البيعة والا اقطع عنقه) 
فهي الأدهى والأمرّ.. تطاولاً على إمام زمانه. 
وتجبّراً وكبرياء في وجه الدين الأنصع...
ليأتي الرد صاعقاً إلى الجبروت الأرعن مُعلناً للحق 
كلمة (مثلي لايبايع مثله).. 
شتّان بين كلمة إمام حق وبين كلمة خليفة باطل فكلتاهما سطّرت مشيئة الهية خُلّدت بها رواية عشق وكأن نسج الخيال يصوّر حاله وهو يتنفس الصعداء مفوّضاً أمره لمولاه  ( شاء الله أن يراني قتيلاً) 
أويحبّ الله أن يرى وليّه قتيلاً بأرعب مشهد حتى يشاء قتله؟! 
حاشا لله أن يحبّ مايؤذي نبيّه في مُصاب فلذة كبده وريحانته ومايؤذي أولياءه المعصومين وشيعتهم الموالين لهم. 
ليس شرطاً أن تكون كل مشيئة هي أمر محبوباً لله تعالى، إن الله قد ينهى عن أمر ويشاء أمر آخر، لِحكمةيراها ،  فكما نهى نبيه آدم عن أكل الشجرة،وما أمر نبيه إبراهيم بذبح ابنه وقد شاء غير ذلك. 
إذاً ماهو معنى المشيئة؟!  
ولماذا قال (شاء الله) عِوضاً عن (أراد الله)؟! 
المشيئة :هي ابتداء الفعل.
  
وقيل الإهتمام بالشيء أي الهمّة لأداء الفعل وهل من الممكن أن نقول إن ّ الله همّ بفعل ما؟!

فلا نتصوّر هذا المعنى للمشيئة الإلهية(الهمّة) أنّ لها موقعاً في الذات الإلهية، فلأن هذه الذات هي عين العلم فلاحاجة لها للهمّة التي تعبّر عن الحاجة للتفكير في الشئ والعزيمة على فعله ، لأن لأن التفكير ينبأ عن الإنتقال من حالة الجهل إلى العلم وذات الله عالمة،   فالجهل والتفكير والهمّة من صفات عباده، وليس لها محلاًّ في ذاته المقدّسة، فالهمة هي من صفات العبد، فهو قبل الإقدام على أي فعل فهو يفكّر ويقرر ليعزم على الإقدام  عليه أم تركه، وهذه هي الهمّة.
 
فإذا لم يكن للهمّة موقع في الذات المقدسة فكيف إذاً نُسبت هذه المشيئة لله تعالى؟! 
إنّ مشيئته تعالى تمثّلت في إرادته لهذه الهمّة من عبده، أي أن هذا العبد لايمكنه أداء أيّ فعل إلا بقوّته تعالى ولوشاء لسلب منه القوة لتكون مانعاً يُعيقه عن تحقق الفعل.

وماهي إرادته؟! 
الإرادة هي إيجاد الفعل وتحققه بعد الهمّة بأداءه وربّما يقصد بالإرادة هي المشيئة أيضاً لقرب المعنى بينهما، إذ أن الإرادة تحقق
هذه الهمّة من العبد. 

لكي نفهم هذه المظلومية للإمام ومأساته الخالدة فإنّ عقولنا بأمسّ الحاجة أن تربط  تلك المجريات والأحداث بالمشيئة الإلهية كي تتبلور عقيدتنا بقيمة أنفس مما هي عليه.

فهناك وثاقة ارتباط متين بين مشيئة العبد ومشيئة المعبود
وإنّ قصد الإمام عليه السلام (شاء الله..) يشير إلى أنّ ظهور ملامح  المأساة قد بانت في خطّ الأفق، ألا وهي همّة يزيد "لع" 
بقتل الإمام "ع" في حال رفض البيعة له ، وهذه بداية الفعل أي المظلومية، إذاً هي سابقة للإرادة والعلم سابق عليهما أي أن 
هذه المشيئة صادرة من العباد بعلم الهي لإختيارهم. 
قال الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام)
"عَلِم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى بعلمه كانت المشيئة وبمشيئته كانت الإرادة
وبإرادته كان التقدير وبتقديره كان القضاء وبقضائه كان الإمضاء والعلم متقدّم على المشيئة والمشيئة ثانية والإرادة ثالثة" " ١" 

ولأنّ بها سينال رفيع الدرجات كمّا بشّره جدّه المصطفى
"صلى الله عليه وآله" في رؤياه، وعليها فقد اختار مشيئة الله رضاً وتسليماً، إيثاراً للشهادة وعشقاً لها على حبّ البقاء في دُنيا فانية،تحكمها طواغيت جائرة. 

لذلك فقد حزم أمتعة الرحلة الدامية مطالباً حق الأمة 
بإصلاحها  ( وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) 
فكانت بداية الحكاية للمشيئة الحسينية في بذل الغالي والنفيس ليحقق فقط إرادة الله في ديمومة هذا الدين وحفظه من عبث الطواغيت، ويكسر جبروت الظّالمين ما دام الزمان ، لتبْقَى قِيمه وسمُو مبادئه رصينة لاثمّة ضعف يطالُها، ومادام هناك من يُضمر السوء لهذا الدين، فلا بدّ أن توجد أنفسٌ زكية  تُفدى له لبقاء نوره يشمخُ عزّاً ، كما قال تعالى:( ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) "٢"
وماكان لهذا الدين أن يُتَمّ نوره إلا بالدّم الطّاهر وبه أحيا هذا 
الدين الإسلامي كما قيل في حقه (الإسلام  محمدّي الوجود وحسيني البقاء). 

لذلك قد تحركت مشيئة الظاّلم  التي قد روتها أحداث الكوفة ومآسيها المؤلمة التي حكت  قصة الخذلان للإمام الحسين "عليه السلام" ونقض الميثاق  بعد دعوته للنصرة له وماشهدته من انقلاب الموازين رأساً على عقب، فصارت الكوفة طوعاً لرغبة الطاغية بعد أن كانت تسير لصالح الإمام "عليه السلام"، فتساقط الكثير في ساعة الإختبار رغباً ورهباً، فكانت ساحة امتحان صعب،  تمحّص فيها ثّلة مؤمنة راسخة القدم في قلّتها، و بهذا تكاملت دواعي المشيئة.

فقد تتباعت الأحداث في سيرها وفقاً لإختيار كل فرد شارك في هذا الحدث دون أن يكون مسيّراً. فهو بإرادته يختار صفّه الذي يرغب بالإنضمام فيه، إمّا ناصراً لإمام زمانه أو عدوّاً ناقضاً لعهده. 
إنّ تسارع هذه الأحداث لمأساة الإمام الحسين "عليه السلام"  لم تكن حديثة عهد ووليدة أيام بل كانت نتاج مخاضٌ انقلاب الأعقاب ومؤامرة السقيفة الخائنة، التي خلّفت وصيّة نبيّها وراء ظهرها، لِتطعن إمام زمانها بسهام الضغينة. 

وها هي قد بدأت ساعة ولادة الحقد الدّفين من جديد تقترب رويداً رويداً لترفع ذلك الرأس الشريف على القنا وبه تتم تلك المشيئة بقضاء الهي، لأن القضاء هو اتمام الحدث الذي بدأت به بوادر المشيئة وبه تكتمل حكايتها وغايتها في تخليد ذلك النور الساطع ليعلَم كل ذي لبّ إنّ عظمة هذا  الدين من عظمة هذا القربان الذبيح "عليه السلام" 

ولننتبه أنّ هذه المشيئة الإلهية لم تُجرى على يد أعداءه لأنه أمرٌ مكتوب وبناء عليه أن يُقتل ظمآنا غريباً بناء على ذلك المكتوب، فهذا الإعتقاد يلزمنا الوقوع في عقيدة الجبر التي تصوّر هذا الإنسان كمجرد آلة متحركة تنفذ المكتوب لها دون أن يكون لها القدرة على الإختيار، فقد احتج الظالمين وبرروا أفعالهم المُشينة بأنها من المكتوب الذي قد كُتب عليهم، فهذا الإعتقاد لاينبأ عن الإيمان السليم ، والصحيح هو أن للإنسان الحرية في اختياره، فمن الإختيار حبّ الإمام والأنصار للشهادة والسعي في الحصول عليها ، ومن الإختيار حب المناصب من سَفَلَة الأهواء، فكلا الفريقين اختار غايته  ليس لأنه مكتوباً، بل المكتوب يؤكد علم الله تعالى بمجريات الأحداث التي  تسير تبعاً لإختيار البشر وبإمكانهم أن يغيروا مجراها لو أرادوا، كماقال تعالى :( إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) "٣"وهذه الآية تنفي مبدأ الجبر و تكشف مشيئة الله في إختيار العباد لمصيرهم وأفعالهم، والقضاء تابع لإختيارهم وهذ قانون الهي جاري على جميع البشر وبإيديهم تبديل المصير إمّا للأحسن وإمّا للأسوء. 

فمشيئته تعالى في ذلك الأمر أنه لم يمنعهم من فِعل ما همّوا به من أمر عظيم  كما منع النار من احراق نبيّه ابراهيم عليه السلام، فلكل أمر حكمته الخاصة به، فلو منعهم لما تمحّصت دفائن النفوس المريضة التي هي من الغايات الإلهية التي تجري عبر امتحان البشر وذلك لايكون إلاّ بحريةالإختيار. 

ولأنّ الغاية من مشيئة العدو في قتل الإمام الحسين "ع" أنه يريد اطفاء نور الدِّين  مدى الزمان، فكانت الغاية الإلهية في هذه المشيئة هي  ( أن يتم نوره ولو كره الكافرون) ليكون مناراً مُشعّا مادام  الزمان باقياً  يجذب قلوب السالكين إليه. 

وبهذه المشيئة ومن قلب كربلاء وثّق الإمام الحسين " عليه السلام" أروع بطولات العشق الإلهي في العبودية لله تعالى، وفي كل موقف سجّل عنوان الإرادة الإلهية (وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) "٤"

أي أنّ الله تعالى أراد من عبده تحقيق سِمةالعبودية في البلاء كانت أم في الرخاء،  وجعلها عنواناً للطاعة المطلقة التي لايشوبها روائح الأنا الطاغية.  
وقد تجلّت هذه العبودية المطلقة على أرض كربلاء التي كانت فعلاً أرض مُحِّصت فيها النفوس تمحيصاً، وتجلّت فيها معادنها الخفيّة وجواهرها القيّمة بالكرب والبلاء، بكل معانيها ومصاديقها المتعدّدة ذائبة في ذات المعبود مُعلنةً الحرب على النفس قبل حرب العدو كما قال تعالى ( فاقتلوا أنفسكم)"٥"، فوثقت أروع القيم الخالدة التي سطّرت حكاية العشق الإلهي، فكانت تارةً تضحيةً بالمُهج تسليماً ينطق عن حبّ ربّها الذي يعلو فوق كل حبّ ، وتارةً بروح الإطمئنان في مواجهة التحديات التي تتحدث عن روح لا ينقطع رِباطُها بالله طرفة عين أبدا، والإيثار الذي يروي قوة جُند الله في وأدها حبّ النفس ، وصلابة الصبر والتحمّل بين فقد الأحبّة 
وغدر الخَوَنة ، وأجمل مشهد 
لذة المناجاة التي تعبًر عن استشعار العجز والحاجة إلى المدد المتواصل لِيخلّد تللك المشيئة بإخلاص المبادئ القيّمة بتقديم نفسه قّرباناً طاهراً بعبودية محضة في خُلوصها ويرحل
بختام مسك وهو  (حسن القضاء من حُسن الإختيار). 
...........................................
"١" كتاب التوحيد لعلاء الحسون ف١٢ إرادته تعالى ومشيئته
"٢"سورة التوبة ٣٢ 
"٣"سورة الرعد ١١
"٤"سورة الذاريات ٥٦
"٥" سورة البقرة ٥٤

بين دفتي الحرب

بين دفتي الحرب
بقلم: فاطمه القصاب.

إن الله تعالى جعل للمعصوم حق الطاعة على الأمة، وترك لكل امرئ حرية السير في الطريق الذي يريده ويختاره فمن اختار طريق الصلاح بطاعة المعصوم وجد المنفذ اليه، ومن اختار طريق الفساد بالكُفران والتمرد على الله تعالى ورسله سار إليه.
فالله سبحانه وتعالى لم يجبر أحداً على انتهاج طريق معين، بل أوضح له طريق الخير والشر بإرسال الرسل وبَعْثِ الأنبياء وإقامة الأوصياء، فقد قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) إبراهيم / آية 4. وكذلك وهب الله الإنسان العقل ليحكم على الأشياء ويختار ما بدا له، وعلى هذا يكون بلوغه بحسب اختياراته في الدنيا اما رضوان الله او سخطه قال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). الانسان /آية 3.
وعلّق الاختيار على طبيعة علاقة العبد بربه، فمن أناب وتوجّه إلى الله عز وجل وأخلص إليه سدده في دروب الحياة إلى النجاة. قال تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ) الرعد /آية 27
ولما كان للإمام المعصوم حق الطاعة على الأمة وجب على كل فرد من أفراد الأمة الوصول إلى ذلك الإمام ومراجعته ومعرفة أوامره وتوجيهاته في كل صغيرة وكبيرة.
فخيار الأمة حين نهض الإمام الحسين عليه السلام يفترض أن يكون القيام معه ومساندته وحمايته والسعي لتحقيق أهدافه، لكونه إماماً مفترض الطاعة وصاحب حق، حارب لهدف ربّاني. فقال عليه السلام «إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر»
ومع ذلك لم يُجبر أحداً على القتال بل استحث الناس حتى الساعات الأخيرة فكان يهتف بقوله "أَمَا من ناصر ينصرنا، أما من ذابٍّ يذب عن حرم رسول الله (ص)".
ذكّرهم في كل موضع تسنح فيه الفرصة في مكة حين قام فيهم خطيباً ساعةَ قد عزم على الخروج إلى العراق فقال "من كان باذلاً فينا مُهجته ومُوَطّناً على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإنني راحل مصبحاً إن شاء الله".
وفي منطقة زُبَالا حين أتاه خبر استشهاد ابن عمه مسلم ابن عقيل وجد فسحة ليعيد فيها تذكير من سار معه على ما هم مقبلين عليه دون إكراه أو إجبار فأخرج الى الناس كتاباً وقرأه عليهم وفيه "بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فأنه قد أتانا خبرٌ فظيع؛ قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر] بُقطر[وقد خَذَلَتنا شيعتُنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، ليس عليه منّا ذِمام" تاريخ الطبري المجلد الثالث.
ثم في مساء اليوم التاسع من المحرم، حين جمع عليه السلام أصحابه وقال "أمّا بعد فإني لا أعلم أصحاباً أصلح منكم ولا أهل بيتٍ أبرّ ولا أفضل من أهل بيتي فجزاكم الله جميعا عني خيرا. وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَمَلاً وليأخذ كل رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل، وذروني وهؤلاء القوم، فأنهم لا يريدون غيري."
لم يحارب إلا بعد الإبلاغ "لا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ" والنصيحة والدعوة إلى الحق " إنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد، فمن أطاعني كان من المرشدين، ومن عصاني كان من المهلكين " حتى شهد له عدوه معاوية بذلك أمام يزيد حين طلب منه أن يبيّن عيباً للحسين عليه السلام، فقال: (ما عسيتُ أن أعيب حُسيناً، وما أرى للعيب فيه موضعاً).
في ظروف الحرب التي يَصعُب فيها ضبط التصرّفات والتعاملات وفق الضوابط الأخلاقية والإنسانية، أثبت عليه السلام أن الالتزام بالقواعد الإسلامية المثالية التي وردت في كتاب الله ليست ضرباً من الخيال، بل هو أمر ممكن وقواعد واقعية يمكن تطبيقها، قال حميد بن مسلم: فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشاً ولا أمضى جناناً منه.
نقيض ذلك نراه من أهل الباطل كمعاوية ويزيد وزمرته، فكان من أعمالهم: 
• تكميم الأفواه، فلا يسمح بقول الحق أو الاعتراض على مظاهر الفساد
• استخدام المنطق الفرعوني (ما أُريكم إلا ما أرى) والذي اتضح في خطاب معاوية بعد صلح الامام الحسن عليه السلام حين قال للناس "يأهل الكوفة أترونني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلون وتزكون وتحجون؟ ولكنني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وأَلِيَ رقابكم، وقد آتاني الله ذلك وأنتم كارهون).
• الإجبار على البيعة فحاول معاوية اتخاذ البيعة لابنه يزيد في حياة الإمام الحسن عليه السلام رغم العهود والأيمان والمواثيق، وحين فشلت لوجود صاحب العهد حياً قام بدس السم للإمام الحسن عليه السلام تمهيداً لبيعة ابنه يزيد. وبعد استشهاد الإمام الحسن عليه السلام أجبر معاوية البيعة ليزيد بأساليبه الظالمة، فعزل مروان عن المدينة حين عجز عن أخذ البيعة على أهلها ليزيد، وولى المدينة سعيد بن العاص، فأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة، وسطا بكل من أبطأ عن البيعة ليزيد، فأبطأ الناس عنها إلا اليسير، لا سيما بنو هاشم، فإنه لم يجبه منهم أحد. وقام معاوية أيضاً بإسكات مروان بإغداق المال عليه وفرض له ألف دينار في كل هلال. وقدم معاوية الى المدينة، ومعه جيش من أهل الشام عدهم بألف فارس. وكان قد بلغ أنه ذكر الحسين وأصحابه وقال: لأقتلنهم إن لم يبايعوا. ثم خرج معاوية الى مكة، وسبقه الحسين بن علي وعبد اللّه بن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر إليها. ولما كان آخر أيامه بمكة، أحضر هؤلاء وقال لهم: إني أحببت أن أتقدم إليكم، أنه قد أعذر من أنذر. إني كنت أخطب فيكم، فيقوم إليَّ القائم منكم فيكذّبني على رؤوس الناس، فأحمل ذلك وأصفح. وإني قائم بمقالة، فأقسم باللّه لئن ردَّ عليَّ أحدكم كلمةٌ في مقامي هذا، لا ترجع اليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف الى رأسه، فلا يبقينَّ رجل إلا على نفسه!
ودعا صاحب حرسه بحضرتهم فقال: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد سيف، فان ذهب رجل منهم يردّ عليَّ كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما !!
ثم خرج وخرجوا معه، حتى أتى المنبر، فحمد اللّه وأثنى عليه!! ثم قال: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتز أمرٌ دونهم، ولا يُقضى إلا عن مشورتهم. وإنّهم قد رضوا وبايعوا يزيد !! فبايعوا على اسم اللّه! فبايعَ الناسُ..

وبعد هلاك معاوية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة وكان أميراً على المدينة يأمرهم بأخذ البيعة على الإمام الحسين عليه السلام ويقول له: إن أبى فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
• شراء أبدان الناس بإرهابهم رغم اعتراض القلوب، حين جنّد يزيد عشرات الآلاف بعد الاعتقال والتعذيب والقتل حتى عُبِّر عنهم للإمام الحسين عليه السلام بـ (قلوبهم معك وسيوفهم عليك).
• إغلاق جميع الطرق التي يمكن من خلالها أن يتسلل من يحاول اللحاق بركب الإمام عليه السلام، فعن هلال بن أساف قال: (أمر زياد فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة فلا يترك أحداً يلج ولا يخرج).
هذا هو التفاوت الذي نجد تجلياته بين محارب وآخر، بين من يسعى في الأرض فساداً ويُهلك الحرث والنسل كيزيد وجنده، وبين من يراعي أن الإسلام نظام الحياة في جميع جوانبها السلمية والحربية فيجعل للحرب دستوراً وأخلاقاً يذكرها ويُذكر بها فيطلب من أصحابه قائل "اسقوا القوم، وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفاً " حين التقى مع جيش الحر بالرغم من علمه صلوات الله عليه بأنّهم قتلته، وأنّهم لا يسقونه قطرةً من الماء.
 كما يمتنع عن البدء بالقتال كما ورد في أكثر من موقف، منها خلال المسير إلى كربلاء حين وصل الإمام الحسين عليه السلام إلى نينوى ومانَعَه الحُرّ من السير فقال زهير بن القين: إني والله ما أراه يكون بعد الذي ترون إلا أشد مما ترون يا ابن رسول الله! إنّ قتال هؤلاء القوم الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم ما لا قبل لنا به!
فقال الإمام عليه السلام "ما كُنت لأبدأهم بقتال". 
هذا وغيره من مظاهر أخلاق الإمام مما أوردته كتب السّيَر فعن نافع بن هلال البجلي ‏رأيت الحسين عليه السلام في ليلة عاشوراء يدور حول المخيم ويلتقط حسك السعدان من الأرض ‏فقلت له سيدي لعلي أكفيك هذا ‏فقال لي يا نافع غداة غدٍ تهجم الخيل على المخيم ويضرموا فيها النار فتفر النساء والأطفال وأخشى عليهم من أن يصيبهم حسك السعدان وأريد أن أُولي هذا الأمر بنفسي 
كلها تنبئ بالأخلاق العظيمة التي ترافق المعصوم في حِلّه وترحاله في حال الحرب والسلم ليُربّي الناس وليوصل رسالته إلى العالمين.
من بعد ذلك أيقن الناس على مر العصور أنّ ثورته عليه السلام مع أصحابه جاءت لإصلاح الواقع وتغييره، بعد أن جسّدت هذا الإصلاح وهذا التغيير في أخلاقياتها بل في كل مفاصلها وأبعادها. وبذاك آمن الناس بالحُسين؛ وبذاك استطاع أن يحقق النصر الحقيقي.
سلامٌ على الحسين يوم وُلِد وسلام عليه يوم استُشهد وسلام عليه يوم يُبعث حيّاً.

لذة التجاوب

*لذة التجاوب*
بقلم: عقيله شرف

عالم الطفل.. يحمل سمات الحياة بصورة مصغرة، في حربها و سلمها، في صخبها و أمنها، في إيمانها و جحودها، في سعادتها و شقائها، في صفائها و حقدها..
فيحتوي عالم الطفل على الكثير من الجوانب التي لابد من الإهتمام بها، وكل مرحلة من مراحل الطفولة تحتاج إلى نوع خاص من الإهتمام لنمو الطفل بشكل سليم  فيصل إلى مرحلة المراهقة بشخصية سليمة و سويه.
و المتأمل في حالة الأمة الإسلامية اليوم يجد أنها في أمس الحاجة إلى منهج تربوي و مخطط أسري يحيط بعالم الطفل ليخرجه مما وقع فيه من أزمات فكرية و انحرافات أخلاقية.
لذلك اهتم الدين الإسلامي في تكوين الطفولة المنسجمة مع مبادئه، من خلال ترسيخ مجموعة من القيم الأخلاقية و التربوية التي تنفتح على الإنسان لتخطيط لبناء جيل سليم نفسيًا و دينيًا و صحيًا و تربويًا و أخلاقيًا.. ليتحقق معنى وجوده لكونه الخليفة على الأرض.
فأرسل الله سبحانه و تعالى الرسل و أنزل معهم الكتب بغرض هداية الإنسان ليصل للكمال، فعملية التربية في صلب اهتمامات الدين وعلى رأس أولوياته، قد قال "ص" (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) فالسبيل الأفضل و ربما الوحيد في عملية التربية تتمثل في اعتماد المناهج المرتكزة على المبادئ الأخلاقية الدينية، فإذا بتّر هذا المنهج التربوي الإسلامي عن الواقع، فإنه سيصبح في الحقيقة صورة بلا روح.
فنحن نملك بين أيدينا منهجًا تربويًا لا يقارن بغيره من المناهج، فهو منهج متكامل مصدره ما أوحى به الله سبحانه و تعالى لنبيه "صلى الله عليه و آله و سلم" ثم أهل بيته عليهم السلام.
وقد قدر الله سبحانه و تعالى أن يكون نسل رسول الله "صلى الله عليه و آله و سلم" وذريته من فاطمة الزهراء "عليها السلام" فهي ربيبة الوحي والنبوه، تعرف جيدًا مناهج التربية الإسلامية، والتي تجلت في تربيتها لمثل الحسين" عليه السلام" الذي اختار التضحية بنفسه وجميع أهله وأعز أصحابه في سبيل الله، ومن أجل مقارعة الظلم والظالمين، ليروي بدمه شجرة الإسلام.
كذلك أبناء الحسين" عليه السلام" نشأوا في جو أسري ينتهج منهج تربوي إسلامي مرتكز على المبادئ و  القيم الأخلاقية الدينية.
فعزيزة الحسين" عليها السلام" نشأت في حضن أبيها الطاهر، وحجره المبارك، و تغذت من صافي معينه، وعظيم خلقه، وحظت بحنانه و عطفه و لطفه و رعايته.. ففي بيت الإمامة و الطهر نشأت،بأخلاق سامية و مبادئ سليمة.. فكانت تلك بداية نشأتها "عليها السلام".
فهي وردةٌ في بستان قلب أبيها.. يسقيها من معينه فتتجاوب معه..ذات يوم.. أصاب القلب سهام.. فرُسم على وجهها براءة امتزجت بحزنٍ و آلام.. وطُبع في ذاكرتها صور لأجساد القتلى و حريق الخيام.. ضربٌ بالسياط و شتائم الكرام.. سبيٌ و ظلمٌ على أيدي اللئام.. خربة بجوار عروش الظلام.. قدموا رأس الإمام..قتلوا الطفولة بالسهام..
فطار طيرٌ من طيور السلام..

-  وما هذا إلا لطيب نسل الإمام..