بحث هذه المدونة الإلكترونية

الاثنين، 3 أبريل 2017

لعلهم يحذرون

*لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون ..*
تخيل عزيزي القارئ ونحنُ نعيش في ظل الطفرة المعلوماتية ، والثوارن الحُقوقي ، وتآكل السلام شيئًا فشيئًا ، بأنكَ صحوت في إحدى صباحاتك باكرًا ، لتتفاجئ بأن غُرفتك استحالت الى جنةٍ غناء كل مامن شأنه الرخاء واللذة أمام ناظريك ، أتُفكر في التوجه ناحية الباب لتفتحه على غُصة الواقع ، أم تبقى حبيس النعيم ؟!
بالتجافِي عن صِراع الخيالات ، نحن بنو الإنسان مجبولون على رحلة النهم المعرفية ، لنُشبع عقولنا وأرواحنا وسائر حواسنا ، بما يخلُق عندنا حالة الرِضا أو الحد الأدنى من  الشُعور بالأمن ، ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (1) .. 
بالعين الباصِرة ، لن نصل الى نعِم عُقبى الدار ، إلا بالتعايش مع الآخرين ، بعيدًا عن أمراض التعصب الفِكري والنِفاق الإجتماعي ، وهذان الأمران يتزاوجان مع أعلى الهرم وصاحبة الكف الراجحة ( الثقافة ) التي تكسي حاملها تاج المسؤلية فضلًا عن المُباهاة بها ، هُنا، لسنا بحاجة لأن نستغرق في تشعبات تعريفها كمفهوم ، بقدر مانحنُ بحاجة لأن نُسلط الضوء عليها كفريضة أو وظيفة ، ذات هدف يرقى بأُمة كاملة ، فقد جاءت بمعنى التهذيب والتشذيب والتسوية من بعد إعوجاج ..
يقول أحد المراجع العِظام سماحة السيد صادق الحسيني الشيرازي (2) في كتابه القيم الموسوم بالعلم النافع : ( إن مسألة الثقافة من أهم المسائل في كل أُمة وحضارة ، وقد يصح مايُقال بأن العالم يدور على عجلة الإقتصاد والسياسة ، ولكن الأصح من ذلك هو القول بأن الثقافة هي التي توجه الإقتصاد والسياسة ، فبقدر مايحمل الفرد من ثقافة وعلم في كلا المجالين ، فإنَّه لايخسر ولايُغلب ) ..
لَنَصدِق القول .. المُهمة صعبة ، وبحاجة لتضحيات جِسَام ، وأفكار ورُوئ ذات رواسي قوية لامُجرد هذرمات ثقافية ، لاسيما ونحن نُعايش بؤرة مُضللة ، وقوى نافذة ،  تُسمى بالإحتكار الثقافي ، حيثُ يُمكُننا التصريح بأن الصوت هو بيد صاحب السوط ، والبعض يُلوح بمشروعية هذا الأمر من قبيل ، من يعمل أكثر يحصد أكبر ، في حين أن المُحتكر يهدف علنًا أمام الجميع بتفرده بآليات الثقافة ، أكبرها المكتبات العامة ، والإعلام كمصدر لايستهان به لتصدير واستيراد الأفكار الضحلة ، لغرض السيطرة على الإنتاجية الأكبر ، بل ويُرضخ جميع الأطراف لقوانينه المستبدة ، فهل هذا من العدل بمكان ؟!!!
يقول أحد الكُتاب الأُردنيين علي القيسي (3) : ( الورم الثقافي ليس دليلًا على صحة المشهد الثقافي ) ، مما لايدع مجال للشك بأننا نتعرض لحرب شعواء من قبل المُسيطرين على الساحة الثقافية أصحاب النُفوذ والسُلطة ، وعلى ذات الصعيد هناك مُبادرة مغربية حية في وجه الهيمنة والإحتكار ، حيثُ قامو بتأسيس رابطة مستقلة لكُتَّاب المغرب ، وذلك يعود لإستئثار طيف واحد بمجمل الأنشطة الرئيسية ، داخل المعرض الدولي للكتاب ، وأعلنت هذه المبادرة الثقافية عن فتح أبوابها لكل المؤلفين على اختلاف أطيافهم ..
وواقعًا التنوع الثقافي هو جزء من الحقوق المُباحة دِينيًا بالقاعدة الفقهية ( الناس مسلطون على أنفسهم ) (4)، و دُوليًا وفق إعلان اليونسكو العالمي ..
ولكي نُحقق تجليات المعرفة الحقة ، التي من خلالها نصمد ، أمام مُختلف الصراعات و التحديات المُعاصرة ، لابُد من الوقُوف مطولًا عند شُطئان الثقافة ، الحُرة ، النزيهة ، ونمسك بالمعول المُتفايض بالنماء ، لما من شأنه الإنبات الصالح ، وأحد أهم وأبرز روافدها التفقه في الدِين ﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ﴾ (5).
في خضم الحديث إشارة الى خُطورة مايُسمى بالتبعية الثقافية كأحد ملامح الإحتكار ، فمامدى صحة ذلك ؟
لابُد من الإلتفات أولاً الى أننا مابين مفهومين يجب الفصل بينهما ، التبعية الثقافية ، و التنوع الثقافي ، إذ أن التنوع الثقافي هو الاختلافات القائمة بين المجتمعات الإنسانية في الأنماط الثقافية اختيارًا أو اكتسابًا , كاللون ، العرق ، اللغة ، الدين .... وهو من الضرورة بمكان ﴿ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ (6) ..
أما التبعية الثقافية فهي جرس الإنذار المُنبأ بوجود خطر يُحدق بالأُمة لأنها إنصهار تام و تحلل عن الثقافة الأم في حالة من التضييق الخانق من قِبل ثقافة غريبة و مُغايرة تمامًا كما أسلفنا ، ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (7) ، نلاحظ لم يقل الله تعالى (ولا ترضى) بل قال : ﴿ولن ترضى﴾ و"لن" كما هو المعروف في اللغة العربية تفيد تأبيد النفي ، فكأن الآية تقول : بأن هؤلاء الفئة لايرضون بالقليل من المجاملات كصورة من صور التعايش السلمي بل يعملون أبدًا على حرفكم عن المسار الصحيح واعتناق ملتهم ، وفي آية أخرى ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ﴾ (8) ..
كمثال أستحضِرهُ من مُجمل القراءات ، ( قضية التنباك المشهورة ) ، حين وافقت حكومة الشاه ناصر الدين القاجارية سنة 1312 هجرية على منح إمتياز زراعة وتجارة التبغ في إيران للشركة البريطانية ، وهذه كانت بّوابة لدخول الإستعمار في بلاد الإسلام ، وفرض الهيمنة السياسية والإقتصادية والثقافية على المسلمين في ايران ، وبالتالي في غيرها من بلدان المنطقة ، فلم يمض على توقيع هذه المعاهدة الإستعمارية الخطيرة وقت طويل ، حتى تصدّى لها الإمام الميرزا الكبير المجدد آية الله العظمى السيد محمد حسن الشيرازي قدس سره (9) ، بإصدار فتوى حرَّمت استعمال التنباك وهذا نصّها : «استعمال التنباك والتتن حرام بأي نحو كان، ومن إستعمله كان كمن حارب الامام المنتظر عجل الله تعالی فرجه الشريف»..
هُنا تظهر مُهمة المُثقف حين يبرز أثر الدين في وعيه وقراءته للأحداث وما وراءها ..
ختامًا ، من وحي ثقافتنا الواجب عليَّ إبرازها والإعتزاز بها , الإنموذج الأبهر , الذي حقق التعايش السِلمي في أجلِ صِوره ، بل المؤسس للمشروع الثقافي ، وصاحب اليد البيضاء في هذا المِضمار ، إمام الفُقهاء الصادق من آل محمد، الذي أنشأ المدارس الفكرية في جامعة واحده تهوي إليه العُلماء على اختلاف مشاربهم  , وفق خُطة مدروسة , بحيث يُظهر معالم الحضارة الإسلامية مفندا كل الآراء والعلوم , بحجج دامغة , أذعن لها من أذعن , و أغض طرفه بعيدًا من حُرم اللُطف ، فقد روىَّ النجاشي في رجاله بسنده عن الحسن بن علي الوشاء في حديثٍ أنه قال : أدركت في هذا المسجد (يعني مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كل يقول حدثني جعفر بن محمد ، وكان عليه‏ السلام يقول : ( حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب وحديث علي حديث رسول الله صلى‏ الله‏ عليه‏ وآله وحديث رسول الله قول الله عز وجل ) ، و ماهذه إلا ثِمار شهية عمِل على تنشئتها الخُلفاء الماضون وعلى رأسهم مبعوثو الإنسانية محمد وآله الأطهار ، والصفوة من صحبهم ، ممن حذو حذوهم ، وتسمت الأمصار بأسمائِهم .. 
بقيَّ أن نكون متنبهين ومتأهبين دومًا ، اليوم .. لسنا بحاجة الى سياسة الإلقاء المُباشر فقط  كمنبر أوحد للثقافة ، بل يلزم الإرتقاء بما يُظهر عالمية ثقافتنا الإسلامية ويشد الآخرين نحوها ، وصرف الجهد والوقت والمال ماأمكننا في سبيل إنشاء مؤسسات ، وهيئات وأندية تثقيفية ميدانية تسمح لجميع الأطياف بولوج ساحتها ، وتفعيل مختلف الأنشطة التحفيزية من قراءة ، مسرح ، رسم ، قنوات فضائية وغيرها الكثير, ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾ (10) .
 
سورة الإنسان (3)
مرجع شيعي عراقي مقيم في مدينة قم الإيرانية
كاتب أردني و ناقد أدبي وصحفي
قاعدة فقهية ( التسلط ) بحار الأنوار : ج 2، ص 272، ح7، ب 33.
سورة التوبة (122)
(13) سورة الحجرات
سورة البقرة (120)
سورة البقرة (217)
رجل دين ومفكر شيعي عراقي
سورة الأنفال (60)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق